Home Page Home Page Home Page Home Page Home Page Home Page Home Page Home Page Home Page Home Page
البحث
  كل الكلمات
  العبارة كما هي
مجال البحث
بحث في القصائد
بحث في شروح الأبيات


القصائد
قائمة القصائد
قصائد مسجلة صوتياً
قصائد مختارة
معلومات مرجعية
نبذة عن المتنبي
مقالات عن المتنبي
قائمة كتب الشروح
مواقعنا
واحة المتنبي
واحة المعلّقات
المسالك
الورّاق
تأويل رؤياك
مجلة الرحلة

مقالات عن المتنبي
صاح ديك فانقطع خاطري
2007-03-16

قلة من المهتمين بالأدب يعرفون أن النامي كان قامة شعرية شامخة في بلاط سيف الدولة، ولم تكن منزلته لدى أمير حلب أقل من منزلة المتنبي. لكن الأيام طمست اسمه وضاعت روائع آثاره. ولعلي أبين بهذه المقالة جوانب مضيئة من شاعريته وأصل إلى الكشف عن بعض الأسرار التي أدّت إلى خفوت ذكره. وأنا هنا أفتح الباب أمام المهتمين والباحثين لعلهم يعثرون بين المخطوطات المركونة في زوايا المكتبات والمتاحف في العالم على قصائد أخرى للشاعر، إضافة إلى ما تضم الموسوعة الشعرية من أعماله.

ذكر ابن فورَّجة في "التجني على ابن جني" قال: إن المتنبي كان على كثرة شعراء سيف الدولة لا يتَّّقي منهم غير أبي العباس أحمد بن محمد المصِّيصي المعروف بالنامي، وقد عناه بقوله:

وَالمَدحُ لابن أَبي الهَيجاءِ تُنجدُهُ بِالجاهِلِيَّةِ عَينُ العِيِّ وَالخَطَـلِِ

لَيتَ المَدائِحَ تَستَوفي مَنـــاقِبَهُ فَما كُلَيبٌ وَأَهلُ الأَعصُرِ الأُوَلِ

خُذ ما تَراهُ وَدَع شَيئاً سَمِعتَ بِهِ في طَلعَةِ الشَمسِ ما يُغنيكَ عَن زُحَلِ

أراد بالشمس سيف الدولة، وبزحل أباه، فالشمس أبهى إلينا من زحل وأبين نورا وأكثر فضلا.
وأضاف المعري قائلا: "لعل الشاعر أراد نفسه" وأنا أقول كذلك.
وكان النامي كثيرا ما يذكر في مدائحه أيام الجاهلية وآباء سيف الدولة الأوائل كقوله:

إذا فاخرتْ بالمكرماتِ قبيلة فتغلب أبناء العلا بك تغلب

قناة من العلياء أنت سنـانها وتـلك أنابيب عليها وأكعب

وكأن المتنبي أراد غاية جديدة للشعر والشعراء من بعده في البدء بمدح الأمير مباشرة ، دون الحاجة لشجرة الأنساب، ثم ألم يلـّم بك قوله وقد خالف الشعراء إستهلالهم المدائح بالنسيب كقوله :

إذا كان مدح فالنسيب المقدَّمُ أكلّ فصيــح قال شعرا متيَّمُ

لحب ابن عبــد الله أولى فإنه به يبدأ الذكر الجميل ويختم

وفي المواقف القليلة التي كان المتنبي مضطرا لمراعاة الجو المحيط به، فقد كان يتطرق إلى مدح آباء سيف الدولة في عدد من القصائد، ومنها السالفة الذكر، لكن ذلك لم يكن إعجابا بالأيام الخوالي وإنما وسيلة للوصول إلى ممدوحه، إذ لا يمكن فصل الفروع عن جذع الشجرة وأصولها، كقوله:

من تغلب الغالبين الناس منصبه ومن عدّي أعادي الجبن والبخل

ويقول في قصيدة أخرى:

وَأَنتَ أَبو الهَيجاء حَمدانَ يا ابنَهُ تَشــابَهَ مَولودٌ كَريمٌ وَوالِدُ

وَحَمدانُ حَمدونٌ وَحَمدونُ حـارِثٌ وَحارِثُ لُقمانٌ وَلُقمانُ راشِدُ

أولَئِكَ أَنيابُ الخِــــلافَةِ كُلُّها وَسـائِرُ أَملاكِ البِلادِ الزَوائِدُ

والزوائد من الأسنان التي تنبت خلف الأضراس، أراد إن آباء سيف الدولة هم للخلافة العبّاسيّة بمنزلة الأنياب، تمتنع منهم امتناع السبع بنابه، أما بقيّة الملوك فهم بمنزلة الزوائد، لا حاجة للخلافة بهم.
ولأسوق إليك حكاية طريفة عن بعض حوادث الزمان في دولة بني حمدان:
بنى سيف الدولة قلعة مرعش في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وأتاه الدمستق بعساكر الروم ليمنعه منها فأوقع به سيف الدولة الوقعة العظيمة المشهورة.
ومنها: أن سيف الدولة دخل بلد الروم، في سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، وأغار على زبطرة، والتقاه قسطنطين بن بردس الدمستق على درب موزار وقتل من الفريقين خلق. ثم تم سيف الدولة إلى الفرات، وعبره، وقصد بطن هنزيط، ودخل سيف الدولة سميساط، فخرج الدمستق إلى ناحية الشام، فرجع سيف الدولة، فلحقه وراء مرعش، فأوقع به، وهزم جيشه، وقتل لاون البطريق في الحرب، وأسر قسطنطين ولد الدمستق، وحمله الإبريق إلى بيت الماء، وكان أمرد، فخرج فوجده قائماً يبكي، ولم يزل عنده حتى مات من علة اعتلها.
وكان الدمستق استتر في تلك الوقعة في القناة ودخل فترهب، ولبس المسوح، ففي ذلك يقول المتنبي:

فلو كان ينجي من علي ترهب ترهبت الأملاك مثنى وموحدا

وقال أبو العباس أحمد بن محمد النامي:

لكنه طلب الترهب خيفة ممن له تتقاصر الأعمار

فمكان قائم سيفه عكازه ومكان ما يتمنطق الزنار

والنامي يذكرني بشعراء الحوليات قبل الإسلام، فهو يقف على الأطلال ويتأنى كثيرا في انتقاء صوره وصوغ بيانه. فلنتأمل هذه القصيدة التي لا تعوزها البلاغة:

أحقاً أن قـــــاتلتي زرودُ وأن عهودها تلك العهودُ

وقفتُ وقد فقدت الصبر حتى تبيَّنَ موقفي أني الفقيـــد

وشكَّت فيَّ عذَّالي فقــــالوا لرسم الدار أيُّكما العميـد

وبعد هذه المقدمة التي مزج فيها بين النسيب وتذكر العهود والوقوف على الرسوم وديار الأحبة الخاوية، نراه ينتقل إلى مخاطبة سيف الدولة مصورا طول السفر إليه حتى أصاب الهزال مطاياه فصارت عظامها نحيلة كعيدان الأراك وجلودها التي رقّت من طول المشقة وتصببت عرقا حتى غدت كأوعية الماء واللبن، فيقول:

إليك صَدعنَ أفئدةَ الليـــالي وفيهن السـخائم والحـقود

فعيدان الأراك لها عظــــام وأسقية الشنان لها جـلود

والشاعر لا يكتفي بذلك، بل نجده يزهو بشعره ويتطاول بقامته فيرفع نفسه فوق شعراء المعلقات مشيرا بلمسات فنية ولمحات جمالية خاطفة إلى امرئ القيس (ابن حجر) وعبيد بن الأبرص ولبيد:

وشعرٍ لو عبيد الشـعر أصغى إليه لظلّ لي عبداً عـبيد

كأن لفكره نُشرَ ابن حجـــر ونودي من حفيرته لـبيد

إلى أن يقول في سيف الدولة:

خُلقتَ كما أرادتك المعالــي فأنت لمن رجاك كما يريــد

عجيب أن سيفك ليس يــروي وسيفك في الوريد له ورود

وأعجب منه رمحك حين يسقى فيصحو وهو نشــوان يميد

وللنامي أيضا هذه القصيدة التي يلتمس فيها العون من صاحبيه لمعرفة السبب الذي جعل الحبيبة تنفر من شيبه وتقلب حبه الجميل إلى مرارة سوداء وهي التي أودت بشبابه وجعلته يهرم من لوعة المكابدة، كما تكشف لنا عن طول سهاده في غيابها ومدى خبرته بمواقع النجوم وحركاتها وكأنه يرسم من خيوطها الدرية لوحة فنية على صفحة الليل الدكناء:

سلاها لم اسودَّ الهوى في ابيضاضه وإلا سلاني كيف بُيِّض مسـوِّدي

كأن برأسي عســـكرين تحاربا فقد كثر استئمان جند إلى جنــد

وليل له نجم كليلٌ عن السُّــرى تحيَّر لا يُهدَى لقصد ولا يهـــدي

كأني وابن الغمد والطـرف أنجم على قصدها والنجم ليس على قصدي

إلى أن رأيت الفجر والنسر خاضب جناحيه ورساً عُلَّ بالعنبر الـوردي

وحلّت يد الجوزاء عقدا وشاحــها إزاء الثرّيا وهي مقطــوعة العقد

إلى أن يقول في سيف الدولة:

فقلت أخيل التغــلبي مغيرة أم الفجر يرمي الليل سداً على ســدّ

فتى قسم الأيام بين ســيوفه وبين طريفات المكارم والتـــــلد

فسوَّد يوماً بالعجاج وبالـردى وبيَّض يوماً بالفضائل والمجــــد

أميرَ العلى إن العوالي كواسـب علاءك في الدنيا وفي جنة الخــلد

يمر عليك الحول سيفك في الطلى وطرفك ما بين الشكيمة واللبـــد

ويمضي عليك الدهر فعلك للعـلى وقولك للتقوى وكفك للــــرفد

ألم تر فرعوناً وموسى تحـاربا فغودرت العقبي لذي الحق لا الحشـد

جهدت فلم أبلغ مداك بمدحــة وليس مع التقصير عندي سوى جهدي

رياحين أذهان سماحك غــارس لها فاجنِها بالعرف من روضة الحمد

من المذهبات الدارميَّات ســرَّد تــدق معانيها على الملك الكنـدي

تزيد على شأوَي زيادٍ وجـرولٍ وقد غودر ابن العبد في نظمـها عبدي

ولا ينسى الشاعر في البيتين الأخيرين أن يفتخر بقومه أبناء دارم من تميم، مشيرا إلى أن شعراء تميم كانوا من أصحاب القصائد الذهبية التي يعجز عن إدراكها امرؤ القيس ملك كندة، ثم يعرج إلى ذكر النابغة زياد والحطيئة جرول، ليبلغ ذروة زهوه واعتداده بنفسه عندما يجعل الشاعر المتألق طرفة بن العبد عبدا لا يرقى إلى مكانته التي يسمو بها على الشعراء. لكننا لا نملك إلا أن نعجب بسعة اطلاعه ومتانة سبكه ورقة مشاعره. ومن قصائده الباقية هذه الرائعة:

سألت بالفــراق صبا وما ينـبئها بالفراق مثــل خبير

هو بين الحشا صدوع وفي الأعين ماء وجمرة في الصدور

نال منا يوم الفراق كمـا نـال من الناكثين سـيف الأمير

في خميس للنصر فيه لـواء عقده من لوائه المنصور

رجله كالدبى وفرسانه كالأسـد بأسـاً وخيـله كالصـقور

وسجاياك يا أبا الحسـن الغرُّ وأتعـــابهن شكرُ الشكور

لو غدا الدهر صافحاً لي عن الحظِّ وأعلى من جد حال عثور

لتعطرت من غبـار مذاكـيك رواحي وكان عطري بكوري

ثم صيّرت من دماء أعـاديك خَلوقي وكان منه طـهوري

ولقيت المنون تحت عـواليكَ معداً ذخراً ليوم نشــوري

سر على السعد تستظل من الأيـام ظـلَّيْ سلامةٍ وحبـور

بين فرضين من جهاد وشهر أنت في الناس مثله في الشهور

سمع النصر فيه أمرك لما خاطبته الأقدار بالتأميـــر

أنتم دارة العـلى يا بنـي حمدان سـكان بيتها المعمــور

وتسيرون في القنا فترى الآجـال مرتـابة بذاك المســير

في شموس من الحديد عليهـا أنجم يفتررن فوق بـدور

وعجاج كأنه من دخـان النِـدِّ يلقى الهــــواء بالتعطير

عبق من عـلاكم فكأن الأرض مسـك والجـو من كافـور

فتحيوا بمدحتي فهي ريحـانة حمد تبقى بقاء الدهــــور

والنامي هو أحمد بن محمد الدارميّ المصيصي (من مصِّيصة الواقعة على ساحل البحر المتوسط قرب طرسوس) نسبته إلى دارم بن مالك من تميم، كان له مع المتنبي معارضات اقتضاها اجتماعهما في حلب وقربهما من سيف الدولة الحمداني، ولد في سنة ثلاثمئة وتسع، أي بعد ست سنوات من مولد المتنبي الكوفي المولد.


القصيدة المفقودة

ونطالع في أخبار الشاعرين ما رواه أبو القاسم علي بن محمد المنجم الرقيّ، إذ قال: كان جميع أصحاب سيف الدولة يغتاظون من المتنبي ويتعصبون عليه للنامي، فلما عمل في وقعة بني كلاب القصيدة الرائية التي أولها:

طِوالُ قَناً تُطاعِنُها قِصـارُ وَقَطرُكَ في نَدىً وَوَغىً بِحارُ

وَفيكَ إِذا جَنى الجاني أَناةٌ تُظَنُّ كَرامَةً وَهِيَ اِحتِقــارُ

ومنها:

عَجاجاً تَعثُرُ العِقبـانُ فيــهِ كَأَنَّ الجَوَّ وَعثٌ أَو خَبـارُ

وَظَلَّ الطَعنُ في الخَيلَينِ خَلساً كَأَنَّ المَوتَ بَينَهُما اِختِصارُ

فَلَزَّهُمُ الطِرادُ إِلى قِتـــالٍ أَحَدُّ سِــلاحِهِم فيهِ الفِرارُ

مَضَوا مُتَسابِقي الأَعضاءِ فيهِ لأرؤسِهِم بِأَرجُلِهِم عِثـارُ

يَشُلُّهُمُ بِكُـلِّ أَقَبَّ نَهــــدٍ لِفارِسِـهِ عَلى الخَيلِ الخِيـارُ

وَكُلِّ أَصَمَّ يَعسِـــلُ جانِباهُ عَلى الكَعبَينِ مِنهُ دَمٌ مُمــارُ

يُغادِرُ كُـلَّ مُلتَـفِتٍ إِلَيــهِ وَلَبَّتُهُ لِثَعلَبِهِ وَجــــــارُ

إِذا صَرَفَ النَهارُ الضَوءَ عَنهُم دَجا لَيلانِ لَيلٌ وَالغُبـــارُ

فعمل النامي قصيدتة أولها:

أألبيض تعصي يا عقيل بن عامر وما بتر الأعمار مثل البواتـر

كأن علياً والقنا في ظهورهــم سماء رمتهم بالنجوم الزواهر

فولت تناجي بالنجاء خلالهــا وتجأر من أحكام سمر جوائر

قال: وتشاجر الناس في القصيدتين، وتقدم سيف الدولة بإنفاذهما إلى بغداد وأن يكتب في معناهما إلى العلماء، فلم يحكم أحد بشيء، إلا أن قصيدة النامي أعيدت وقد كتبت بماء الذهب، فعلم من هذا أنهم قد فضلوها.
ويقول النامي:
كان قد بقي في الشعر زاوية دخلها المتنبي وكنت أشتهي أن أكون سبقته إلى معنيين قالهما.. ما سبق إليهما، أما أحدهما فقوله:

رماني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشـاء من نبال

فصرت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال

والآخر قوله:

حتى عبرن بأرسناس سوابحا ينشرن فيه عمائم الفرسان

في محفل ستر العيون غباره فكأنما يبصـرن بالآذان

المتنبي يهجر حلب

يقول المتنبي:

فَغادَرَ الهَجرُ ما بَيني وَبَينَكُــمُ يَهماءَ تَكذِبُ فيهــــا العَينُ وَالأُذُنُ

تَحبو الرَواسِمُ مِن بَعدِ الرَسيمِ بِها وَتَسأَلُ الأَرضَ عَن أَخفافِهـــا الثَفِنُ

ما قرئ هذان البيتان إلا وقفت إجلالا لهما ولقائلهما، وهما من قصيدة ذائعة الصيت للمتنبي مطلعها:

بم التعلل لا أهل ولا وطن ولا نديم ولا كأس ولا سكن

نظمها في مصر وهي من قصائده الخاصة التي لم ينشدها كافورا، الأثيرة لديه، والتي ضمَّنها أساه وصبره وعزمه وشدّة بأسه. واليَهْماء: فلاةٌ مَلْساء ليس بها نبتٌ. والأَيْهَمُ: البلدُ الذي لا عَلَم به. والرواسم من الناقة الرَسُومٌ وهي التي تؤثِّر في الأرض من شدة الوطء. والرسيم ضربٌ من سير الإبل. قال أبو عبيد: فإذا ارتفع السيرُ عن العَنَقِ قليلاً فهو التزيُّدُ، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الذميلُ ثم الرَسيمُ. والثَّفِنةُ من البعير والناقة: الرُّكْبة وأُصول أَفخاذه. والمراد من البيتين هو:
يخبر الذين يخاطبهم أنه قد بعد عن بلادهم، فصار بينه وبينهم يهماء تكذب فيها العين والأذن، لأنها بعيدة الأرجاء فالعين لا يتبين فيها الشخص على حقيقته، كذلك الأذن ليس سمعها في هذه القفرة بالصحيح.
وأن أخفاف الإبل قد ذهبت لطول السفر، فثفناتها تسأل الأرض أين ذهبت الأخفاف؟
أمّا المعنيُّ بهذه الأبيات فسيف الدولة الحمداني.

وكان الشاعر قد عرّض في قصائده بأنه لن يقيم على الذلّ ولو كانت حلب الجنّة:

وَما مَنزِلُ اللَذّاتِ عِندي بِمَنزِلٍ إِذا لَم أُبَجَّل عِندَهُ وَأُكَرَّمِ

وكان كما تقول الرواية:
أنه حضر ذات يوم مجلس سيف الدولة وفيه جماعة من العلماء والفضلاء كأبي الطيب اللغوي وأبي عبد الله بن خالويه النحوي وجرت مسألة في اللغة تكلم فيها ابن خالويه مع أبي الطيب المتنبي فضعَّف أبو الطيب قول ابن خالويه فأخرج من كمّه مفتاحا فضرب به المتنبي فشجه، وكان ابن خالويه معظما عند بني حمدان وله عليهم مشيخة فلم يقدم سيف الدولة على الانتصاف لأبى الطيب من ابن خالويه، فغضب أبو الطيب لذلك وكانت من أعظم أسباب فراقه، وذلك في سنة ست وأربعين وثلاثمائة .
وكان أول لقاء جمع الأميرين، أمير حلب وأمير الشعر في أنطاكية، في ضيافة أميرها أبي العشائر ابن عم سيف الدولة وآثرهم لديه من بني حمدان ، وذلك في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة عندما وقف ينشده قصيدته الذهبية:

وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمـه

وما أنا إلا عاشق كلّ عاشـق أعقُّ خليليه الصفيين لائمـــه

وقد يتزيا بالهوى غير أهلـه ويستصحب الإنسان من لا يلائمه

يقول: وفاؤكما بمساعدتي كهذا الربع، فإن الربع كلما درس كان أدعى إلى الحزن وكذلك وفاؤكما كلما ضعف وقلـّت مساعدتكما لي بالبكاء اشتدّ حزني لفقد من أتأسى به. وقوله: والدمع أشفاه ساجمه، بيان لعذره في البكاء وحجة على صاحبيه بأنهما خاليان عما هو فيه من الحزن لأنهما لو كانا محزونين لاستشفيا بالدمع كما هو شأن الحزين.
وهي من غرر قصائده.
ظلّ المتنبي متعلقا سيف الدولة بعد مفارقته ولكنه لم يغفر له التفريط به قطـّ.
قال أبو الفتح ابن جني: قرأت ديوان المتنبي عليه، فلما بلغت إلى قوله في كافور:

ألا ليتَ شِعري هَلْ أقولُ قَصيدةّ فلا أشتكي فيها ولا أتَعتَّبُ

وبي ما يَذودُ الشَعرَ عنّي أقلُّهُ ولكنَّ قلبي يا ابنةَ القومِ قُلَّبُ

فقلت: يعز عليّ.. كيف قلت هذا الشعر في غير سيف الدولة؟..
فقال: لقد حذَّرناه، وأنذرناه فلم يسمع، ألم أقل له:

أخا الجودِ أعطِ الناس ما أنت مالكٌ ولا تُعْطِينَّ الناسَ ما أنا قَائلُ

وأضاف قائلا: لقد أعطاني إياه بِسوءِ تدبيره.

وكان كلما هفا قلب المتنبي لسيف الدولة زجره قائلا:

حببتك قلبي قبل حبّك من نأى وقد كان غدّاراً فكن أنت وافيا

ولعمري إن هذا البيت من الأبيات العقم، ويردف قائلا:

وأعلم أن البـين يشـكيك بعده فلست فؤادي إن رأيتك شـاكيا

فإن دموع العـين غدر بربـها إذا كـنَّ إثر الغادرين جـواريا

إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا

وللنفس أخلاق تدل على الفتى أكان سـخاء ما أتى أم تساخيا

أقلّ اشتـياقا أيها القلب إنني رأيتك تصفي الود من ليس صافيا

خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

يقول علي الجارم:
أرأيت يا أخي كيف يصاغ الكلام، وكيف ينفث السحر، وكيف يثور العاشق المهجور على قلبه لأنه يحب من لا يفي، ويصفى الود للمماذق الغادر!. ثم هل رأيت كيف وخز الشاعر سيف الدولة في رفق لا يكاد يحس، حين قال إن إعطاءه لم يكن سخاء بل كان تساخيا.
ولعبد الرحمن السقاف رأي في وسم سيف الدولة بالغدر إذ يقول :
أَمَّا ذكرهُ الغدرَ، وما أَشبهَ ذلكَ عَن سيفِ الدولَةِ.. فما هوَ إِلاَّ لقوَّةِ نفسِهِ، لا يرى للملوكِ فمَن دونَهُم فضلاً عليهِ، وإِنَّما يخاطبُهُم مخاطبَةَ اللِّدَاتِ والأَقرانِ، في الكثيرِ الأَغلبِ، ولا بدَّ مِن مثلِ ذلكَ للعتابِ، فهوَ مضطَرٌّ إِليهِ، بدافعِ الشهامَةِ والمَوجدَةِ.

القصيدة المفقودة

سأعود الآن إلى النامي، وأعترف أنني بحثت عن قصيدته التي كتبت بماء الذهب فلم أقع إلا على الثلاثة أبيات التي ذكرها ابن العديم في "بغية الطلب" السالفة الذكر.
أتساءل الآن كيف ذهب النامي وقصيدته الذهبية وبقي المتنبي! والرأي عندي هو الخبر التالي الذي رواه الصفدي في الوافي بالوفيات على لسان الكاتب:
قال أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الصقر الكاتب: كان أبو العباس النامي بطيء الخاطر ترتفع له القصيدة في سبعة أشهر أو أكثر، وتحدث الحادثة عند سيف الدولة من فتح أو هدّية أو قصة أو عيد أو غير ذلك فيعمل الشعراء وينشدونه في الحال أو بعد يوم أو يومين، فإذا كان بعد ثلاثة أشهر أو أربعة أو سبعة أو أكثر بحسب ما ترتفع إليه جاء واستأذنه في الإنشاد فيكايده سيف الدولة ويقول له: في أيّ فتح وأي قصة؟ ولا يزال به ويريه أنه أنسي تلك الحال لبعدها توبيخاً إلى أن يكاد يبكي، فيقول: نعم هاتها الآن، وربّما اغتاظ لطول العهد وخروج الزمان عن الحدّ فلا يأذن له أصلاً.
قال: وكنت قائماً بين يدي سيف الدولة وقد ولد له ولد قبل ذلك بسبعة أشهر فجاء النامي فاستأذنه في إنشاد تهنئة بالمولود، فقال له سيف الدولة: يا أبا العباس الصبيّ قد حان لنا أن نسلمه إلى الكتّاب. فما زال يضرع لنا إلى أن أذن له فأنشده. قال: وقال لي النامي كنت البارحة أعمل شعراً فصقع ديك فانقطع خاطري.
شتّان إذا بين من يستجدي الأمير إنشاد قصيدة ومن وقف أمام الأمير ذاته وأنشده الأبيات الخالدة التالية:

سيعلم الجمع ممن ضمّ مجلسنا بأنني خير من تسعى به قدم

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم

أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جرَّاها ويختصم

ما كانَ أَخلَقَنا مِنكُم بِتَكرُمَةٍ لَو أَنَّ أَمـرَكُمُ مِن أَمـرِنا أَمَمُ

وَبَينَنا لَو رَعَيتُم ذاكَ مَعرِفَةٌ إِنَّ المَعارِفَ في أَهلِ النُهى ذِمَمُ

كَم تَطلُبونَ لَنا عَيباً فَيُعجِزُكُم وَيَكرَهُ اللَّّـهُ ما تَأتونَ وَالكَرَمُ

ما أَبعَدَ العَيبَ وَالنُقصانَ عَن شَرَفي أَنا الثُريَّّا وَذانِ الشَيبُ وَالهَرَمُ

ولم يتوقف الشاعر الأبيّ عند هذا بل أضاف:

أَرى النَوى تَقتَضيني كُلَّ مَرحَلَةٍ لا تَستَقِلُّ بِها الوَخّادَةُ الرُسُمُ

لَئِن تَرَكنَ ضُمَيراً عَن مَيامِنـِنا لَيَحدُثَنَّ لِمَن وَدَّعتُهُم نَدَمُ

إِذا تَرَحَّلتَ عَن قَومٍ وَقَد قَدَروا أَن لا تُفارِقَهُم فَالراحِلونَ هُمُ

رحل المتنبي عن حلب وعن سيف الدولة إلى غير عودة، وبقي النامي في كنف الأمير وشهد تقّوض دولته، وإليك هذه الحكاية من صفحات التاريخ:
وذلك أن نقفورا بن الفقاس الدمستق ويانس بن شمشقيق قصدا مدينة حلب في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. وسيف الدولة بها، وكانت موافاتهما كالكبسة. وقيل: إن عدة رجاله مائتا آلف فارس، وثلاثون آلف راجل بالجواشن، وثلاثون آلف صانع للهدم وتطريق الثلج، وأربعة آلاف بغل عليها حسك حديد، يطرحه حول عسكره ليلاً. ولم يشعر سيف الدولة بخبرهم، حتى قربوا منه. فأنفذ إليهم سيف الدولة غلامه نجا في جمهور عسكره، بعد أن أشار عليه ثقاته ونصحاؤه بأن لا يفارق عساكره. فأبى عليهم ومضى نجا بالعسكر . ثم توجه داخلاً إلى أنطاكية فخالفه عسكر الروم، ووصل إلى دلوك، ورحل منها إلى تل
حامد، ثم إلى تبل.
واتصل خبره بسيف الدولة فعلم أنه لا يطيقه مع بعد جمهور العسكر عنه، فخرج إلى ظاهر حلب وجمع الحلبيين وقال لهم: عساكر الروم تصل اليوم، وعسكري قد خالفها، والصواب أن تغلقوا أبواب المدينة، وتحفظوها، وأمضي أنا ألتقي عسكري، وأعود إليكم وأكون من ظاهر البلد، وأنتم من باطنه، فلا يكون دون الظفر بالروم شيء.
فأبى عامة الحلبيين وغوغاؤهم، وقالوا: لا تحرمنا أيها الأمير، الجهاد، وقد كان فينا من يعجز عن المسير إلى بلد الروم للغزو، وقد قربت علينا المسافة. فلما رأى امتناعهم عليه،
قال لهم: اثبتوا فإني معكم. وكان سيف الدولة على بانقوسا، ووردت عساكر الروم إلى الهزازة، فالتقوا فانهزم الحلبيون، وقتل وأسر منهم جماعة كثيرة، وقتل أبو داود بن حمدان، وأبو محمد الفياضي
كاتب سيف الدولة، وبشرى الصغير غلام سيف الدولة، وكان أسند الحرب ذلك اليوم إليه، وجعله تحت لوائه.
ومات في باب المدينة المعروف بباب اليهود ناس كثير لفرط الزحمة. وكان سيف الدولة راكباً على فرس له يعرف بالفحى، فانهزم مشرقاً حتى بعد عن حلب. ثم انحرف إلى قنسرين فبات بها.
وأقام الروم على ظاهر البلدة أربعة أيام محاصرين لها فخرج شيوخ حلب إلى نقفور يسألونه أن يهب لهم البلد، فقال لهم: تسلمون إلي ابن حمدان. فحلفوا أن ابن حمدان ما هو في البلد. فلما علم أن سيف الدولة غائب عنها طمع فيها وحاصرها. وقيل: إن نقفور خرج إليه شيوخ حلب باستدعاء منه لهم، يوم الأثنين الثاني والعشرين من ذي القعدة من السنة. وكان نزوله على المدينة، يوم السبت العشرين من ذي القعدة. وجرى بينه وبينهم خطاب آخره على أن يؤمنهم، ويحملوا إليه مالاً، ويمكنوا عسكره أن يدخل من باب ويخرج من آخر، وينصرف عنهم عن مقدرة. فقالوا له: تمهلنا الليلة حتى نتشاور، ونخرج غداً بالجواب ففعل، ومضوا، وتحدثوا، وخرجوا بكرة الثلاثاء إليه، فأجابوه إلى ما طلب. فقال لهم نقفور:
أظنكم قد رتبتم مقاتلتكم في أماكن مختفين بالسلاح حتى إذا دخل من أصحابي من يمكنكم أن تطبقوا عليه وتقتلوه فعلتم ذلك. فحلف له بعضهم من أهل الرأي الضعيف أنه ما بقي بالمدينة من يحمل سلاحاً، وفيه بطش، فكشفهم نقفور عند ذلك، فعند ذلك قال لهم: انصرفوا اليوم واخرجوا إلي غداً، فانصرفوا. وقال نقفور لأصحابه: قد علمتم أنه ما بقي عندهم من يدفع، فطوفوا الليلة بالأسوار ومعكم الآلة، فأي موضع رأيتموه ممكناً فتسوروا إليه، فإنكم تملكون الموضع. فطافوا، وكتموا أمرهم، وأبصروا أقصر سور فيها مما يلي الميدان بباب قنسرين، فركبوه، وتجمعوا عليه، وكان وقت السحر، وصاحوا، ودخلوا المدينة. وقيل: إن أهل حلب قاتلوا، من وراء السور، فقتل جماعة من الروم بالحجارة والمقالع، وسقطت ثلمة من السور على قوم من أهل حلب فقتلتهم. وطمع الروم فيها فأكبوا عليها، ودفعهم الحلبيون عنها فلما جنهم الليل اجتمع عليها المسلمون، فبنوها، فأصبحوا وقد فرغت، فعلوا عليها وكبروا، فبعد الروم عن المدينة إلى جبل جوشن.
فمضى رجالة الشرط وعوام الناس إلى منازل الناس، وخانات التجار، لينهبوها. فاشتغل شيوخ البلد عن حفظ السور، ولحقوا منازلهم، فرأى الروم السور خالياً، فتجاسروا، ونصبوا السلالم على السور، وهدموا بعض الأبدان، ودخلوا المدينة من جهة برج الغنم، ليلة الثلاثاء لثمان بقين من ذي القعدة من سنة إحدى وخمسين. وقيل: يوم الثلاثاء آخر ذي القعدة، في السحر. وأخذ الدمستق منها خلقاً من النساء والأطفال، وقتل معظهم الرجال، ولم يسلم منه إلا من اعتصم بالقلعة من العلويين، والهاشميين والكتاب، وأرباب الأموال. ولم يكن على القلعة يومئذ سور عامر فإنها كانت قد تهدمت، وبقي رسومها. فجعل المسلمون الأكف والبراذع بين أيديهم. وأقام نقفور بحلب ثمانية أيام ينهب، ويقتل، ويسبي باطناً وظاهراً. وقيل: إنه أخرب القصر. والحكاية طويلة تجدها عند ابن العديم في زبدة الحلب.

خاتمة

سأروي لك هذه الطرفة لما آلت إليه حال النامي: قال أبو الخطاب بن عون الحريري: دخلت على أبي العباس النامي فوجدته جالسا ورأسه كالثَّغامة بياضا وفيه شعرة واحدة سوداء، قلت له: يا سيدي في رأسك شعرة سوداء، قال: نعم، هذه بقية شبابي وأنا أفرح بها، ولي فيها شعر، قلت: أنشدنيه فأنشدني:

رأيت في الرأس شعرة بقيت سوداء تهوى العيون رؤيتها

فقلت للبـيض إذ تروِّعـها بالله إلا رحـمت غربـتها

وقلَّ لبث السوداء في وطنٍ تكون فيه البيضاء ضرتها

ثم قال: يا أبا الخطاب بيضاء واحدة تروع ألف سوداء، فكيف بسوداء بين ألف بيضاء؟!
أما المتنبي فقد كان له مع الشيب رأي آخر إذ يقول:

مُنىً كُنَّ لي أَنَّ البَياضَ خِضابُ فَيَخفى بِتَبيِيضِ القُرونِ شَبابُ

لَيالِيَ عِندَ البيضِ فَودايَ فِتنَةٌ وَفَخرٌ وَذاكَ الفَخرُ عِندِيَ عابُ

فَكَيفَ أَذُمُّ اليَومَ ما كُنتُ أَشتَهي وَأَدعو بِما أَشكوهُ حينَ أُجابُ

جَلا اللَونُ عَن لَونٍ هَدى كُلَّ مَسلَكٍ كَما اِنجابَ عَن ضَوءِ النَهارِ ضَبابُ

وَفي الجِسمِ نَفسٌ لا تَشيبُ بِشَيبِهِ وَلَو أَنَّ ما في الوَجهِ مِنهُ حِرابُ

لَها ظُفُرٌ إِن كَـلَّ ظُفـرٌ أُعِدُّهُ وَنابٌ إِذا لَم يَبقَ في الفَمِ نابُ

يُغَيِّرُ مِنّي الدَهرُ ما شاءَ غَيرَها وَأَبلُغُ أَقصى العُمرِ وَهِيَ كَعابُ

بعد ذلك بقي أن نقول إن المتنبي ذهب يفتش عن الموت ويطلبه وهو يعلم أنه قد بلغ الغاية من المجد، إذ قال عند مفارقته عضد الدولة بن بويه في آخر شعر قاله:

وأنَّى شئت يا طرقي فكوني أذاة أو نجاة أو هلاكا

فلقيه الهلاك في طريق عودته من فارس عند دير العاقول وذلك يوم الأربعاء لست بقين، وقيل لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وكان قد ناهز الحادية والخمسين من العمر. وأما النامي فقد مات حتف أنفه في حلب عام ثلاثمئة وتسعة وتسعن وقد أشرف على التسعين.
محمد أحمد السويدي

خريطة الموقع
واحة المتنبي التراث العالمي فكر و أدب المكتبة السمعية البصرية المكتبة التراثية مواقعنا
 
جميع الحقوق محفوظة © 2006-2014 - القرية الألكترونية في أبو ظبي www.evuae.com