تجمعت عامر بن صعصعة عُقيل وقُشير والعجلان مع أولاد كعب ابن ربيعة بمروج سلمية، وكلاب بن ربيعة بن عامر ومن ضامّها بماء يقال له الزرقاء بين خُناصرة وسورية ونمير بن عامر بدير دينار من الجزيرة وتشاركوا ما يلحقهم من سيف الدولة وتوافقوا على التذامّ فيما بينهم وشغله من كل ناحية والتضافر إن قصد طائفة منهم. وبلغه ما عملوا عليه وتراسلوا به، فأقل الفكر فيهم، وأطغاهم كثرة عددهم وعددهم، وسولت لهم أنفسهم الأباطيل، واستولى على تدبير كعب عقيليّها وقُشيريّها وعجلانيها آل المهبا. وتفرد بذلك محمد بن بزيع وبديّ بن جعفر، وحسّن لهم ذلك قواد من كعب كانوا من عسكر سيف الدولة متدوّنين في عدة وعدة، وركضوا على أعماله، فقتلوا صاحبه بناحية زعرايا يعرف بالمربوع من بني تغلب وقتلوا الصياح بن عمارة والي قنسرين، واشتغل على النهوض اليهم بوفود من طرسوس ومعهم رسول ملك الروم يسألونه إقامة الفداء والهدنة، فتمادت أيام مسيره وزاد ذلك في طمع البوادي. ثم قدّم سيف الدولة مقدّمة إلى قنسرين في يوم السبت لليلة خلت من صفر سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، فأقامت أحد عشر يوماً تأنياً واستظهاراً في أمر البادية وتقديراً أن يسستقيموا فلا يكشف لهم عورة، وبرز سيف الدولة إلى ضيعة له يقال لها الراموسة على ميلين من حلب في يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، وسار عنها في يوم الأربعاء فنزل تل ماسح، وراح منه فاجتاز بمياه الحبار فطواها، وتلقته مشيخة بني كلاب مطر بن البلدي العوفي من بني أبي بكر بن كلاب، وعبد الله بن مزروع، وسوار بن محرزالأشبيان من الضباب، وغيرهم، فطرحوا نفوسهم بين يديه وسألوه قبول تسليمهم إليه وسارت خيلهم معه ومد إلى ماء يقال له البدية، فصبحه يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من سفر ونزال به وراح منه إلى ظاهر سلمية فوجد الأعراب قد أجفلوا في غداة يومه فنزل بها، فلما كان سحر يوم الجمعة تجمعت كعب ومن ضامّها من النمر في عدتها وعدتها وحبسوا ظعنهم بماء يقال له حران على نحو رحلة من سلمية، وبعضهم بماء يقال له الفرقلس وراءه، ووافت خيولهم مشرفة على عسكر سيف الدولة من كل ناحية، فركب لهم ووقع الطراد، فلم تمض إلا ساعات حتى منح الله تعالى أكتافهم، وولوا واستحر القتل والأسر بآل المهبّا ووجوه بني عقيل وقوادها. ورحل سيف الدولة ضحوة نهار يوم الجمعة مُتبعاً لهم ونفروا طائرين فرحلوا بيوتهم، فوافى الماء الذي يقال له حيران بعد الظهر فوجد آثار جفلتهم، وسار إلى ماء يقال له الفرقلس وأمر بالنزول عليه، ثم عن له رأي في اتباعهم فرحل لوقته إلى ماء يقال له الغنثر، وقدّم خيلاً فلحقت مالهم وحازته، فنزل على الغنثر قبل نصف الليل، وقد امتلأت الأرض من الأغنام والجمال والهوادج والرحال فأتاه خبر عزمهم على الاجتماع بتدمر، فسار في السحر يوم الأحد فنزل ماء يقال له الحياة، وتفرقت خيله في طلب الفلول فردّت مالاً وقتلت عدة، وراح منه قاطعاً الصحصحان والمعاطش واجتاز بركايا الغوير وتهيا والبُييضة والجُفار، فوجد جميعها قد نمزحته البادية المفلولة، وصبحت أوائل خيله تدمر يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر، ووجد جموعهم قد كانت بظاهرها للتشاور والتدبير وهم لا يظنون أن سيف الدولة يتبعهم فنذروا به ورحلوا في نصف الليل وتعلقت بهم خيوله، ووافى سيف الدولة تدمر على نصف ساعة من النهار وعرف الخبر، فسار لطيته في طلب أكثر الجماعات والشق الذي سار فيه آل المهيّا وجوثة وعامر بن عقيل، وقد كانوا قصروا طريق السماوة قبلة ويمينا. وجدّ في الطلب فلحق بالقوم وقتل وأسر، وكان فيمت قتل علوان بن بديّ بن جعفر، وحى المال وصفح عما ملكوا من الحريم، ورجع في طفّ السماوة مشفقاً من الامضاء عليهم لما وجدهم يموت حريمهم وذراريهم عطشاً وتفرقوا أيدي سبا، فقصدت ظائفة كبد السماوة فضاع أكثرها، وطائفة موضعاً من المساوة يعرف بالمادين سوادة ولؤلؤة لا يروي ماؤهما إلا اليسير، فهلك كثير منهم، وظائفة منهم قصدت القلمون مما يلي غوطة دمشق. وعاد سيف الدولة في آخر النهار إلى عسكره غانماً، ومنّ على جماعة منهم أسروا وعجزوا عن الهرب وبرّهم وزوّدهم. ووجد من كان أنفذه شمالاً قد حوى المال وقتل وأسر وعفّ عن الحريم، وأقام بتدمر يوم الثلاثاء والأربعاء، ورحل نحو أركة فنزلها، ثم رحل نحو السخنة فنزلها، ثم رحل فنزل عُرض، ورحل فنزل الرصافة، ورحل فنزل الرقة في يوم الاثنين فتلقاه أهلها، وسأل عن خبر نمير فعرف أنهم أجفلوا فلم يستقر بهم دار دون الخابور. ووردت وفود نمير يوم الثلاثاء مستعيذين بعفوه فعفا عنهم وقبلهم، وسار نحو حلب وكان وصوله إليها يوم الجمعة لست خلون من شهر ربيع الآخر. فقال أبو الطيب هذه القصيدة يمدحه ويذكر ما جرى.