قال أبو الطيب المتنبي من قصيدة له:
كتلٍّ بطريق المغرور ساكنها |
بأن دارك قنسرون والأجمُ |
والتل الذي ذكره أبو الطيب يقع في طريق بلد بالروم بينما قنسرين بالشام والأجم مكان بقرب الفراديس بحسب شراحه.
والمفردة معجمية ذكرتها مصادرنا على اختلافها ولم يتباين التأصيل أو يتنافر، فلقد ذكر اللسان أن التل من التراب معروف واحد التلال، والتل من الرمل كومة منه والتل الرابية وقيل التل الرابية من التراب مكبوسا. و قال أبو منصور التلال عند العرب الروابي المخلوقة، وذكر بعضهم أن التل من صغار الآكام.
والمفردة من المشترك الجزيري القديم فلقد وردت في المعجم الأكدي بقسميه البابلي والآشوري بصيغة (تلّو) tellu
وفي العبرية بصيغة تيل وتل. كما وردت في الآرامية بصورة: تيلّا وتِلّا
وقد تكون المفردة الجزيرية دخلت من اللغة السومرية التي جاءت فيها مفردة دُل Dul بمعنى التل والطلّ.
وهناك من يرى أن مفردة تل الجزيرية دخلت في معجميات أخرى كالإغريقية وصارت أصلاً فيها، ولكي تأخذ بعدا واسعاً في المخيال الشعبي تم تكريسها لاهوتياً فصارت (أطلس).
وهو مخلوق جبار هائل ورد في أساطير الإغريق مقترناً بعقوبة ربوبية قاسية شبيهة بعقوبة سيزيف الذي حمل صخرة على نحو أبديّ، ولكن أطلس الذي أغضب الآلهة حُكم عليه بحمل سلسلة جبال شاهقة يسند بها السماء حتى لا تتهاوى.
وأطلس التي ترد في الميثيولوجيا الإغريقية هي ذاتها سلسلة الجبال التي تمتد جغرافياً من المغرب وحتى الجزء الغربي من ليبيا.
تعني مفردة أطلس Atlas في اليونانية الجبل أو الهضبة أو ما ارتفع عن الأرض، وحرف السين في نهايتها ليس سوى لاحقة لغوية، أي أن الأصل فيها هو أتل، ويرى الباحث علي فهمي أن الهمزة في بداية المفردة خاصية تتميز بها لهجات أهل شمال أفريقيا واللغة المصرية القديمة وما زالت شائعة.
وبهذا تكون المفردة بعد تخليصها من اللواحق: تل
أخذها الأغريق من مجال لغويّ وجغرافيّ مختلف وصارت جزءا من معجميتهم وارتدّت إلينا كمفردة معربة ودخلت اللغة العربية في مجالات دلالية متنوعة بوسعنا تعقبها والتعرف عليها عن قرب في معاجمنا.
ويذهب الباحث لويس عوض أن مفردة Hill الإنجليزية ذات جذر تل الجزيرية بقانون تبادل الأصوات سقف حلقية، أي أن T= H.
وبذلك يكون التلّ قد تمرحل وتنقّل في لغات وبيئات مختلفة وصار من خصائصها وعاد إلينا ثانية كمفردة معربة بعد أن أثقلته تلك اللغات بقوانيها من الإبدال وإضافة اللواحق.